مابعد سقوط "M5" والدرس الذي يجب أن نتعلمه ..

16.شباط.2020

أثبتت معارك الأوتستراد الدولي من جنوبه حتى شماله فشل الاستراتيجية العسكرية للفصائل جميعاً سواء هيئة أو جيش وطني أو غيرها ووقوعها بذات الأخطاء القاتلة التي تسببت بخسارة مناطق شاسعة من المحرر سابقاً ولم تتعلم الدرس فوقعت بذات الفخ سواء عسكرياً أو سياسياً، في وقت واصل الاحتلال الروسي اتباع ذات السياسية في تجنب المواجهة المباشرة واتباع أسلوب الالتفاف وتقطيع أوصال المناطق.

كما فعل سابقاً في الالتفاف على ريف حماة الشمالي وخان شيخون واللطامنة وتحييد المناطق الحصينة، فعل في معرة النعمان وريف حلب واستطاع السيطرة على تلك المناطق بشكل سريع، علاوة عن أن الفصائل لم تستخدم التكتيك العسكري في المواجهة وخسرت أوراق كبيرة أبرزها ضرب النظام في الخواصر الخلفية لتشتيت صفوفه أيضاَ التحصن في المدن وخوض حرب الشوارع التي كانت كفيلة في استنزاف العدو مع عدم وجود المدنيين إلا أننا شاهدنا انسحابات سريعة من المدن وإخلائها حتى قبل وصول النظام إليها.

النظام وروسيا أتما السيطرة على كامل الطريق الدولي بين "حلب - دمشق" وهو ورقة سياسية واقتصادية كبيرة بالنسبة لروسيا، ومصلحة دولية مشتركة لأوربا والخليج وكثير من الدول خلافاً لتصريحاتها، وكذلك استطاعت روسيا والنظام السيطرة على خط حماية غرب الطريق الدولي ب 6 كم والهيمنة على كل المناطق المرتفعة الحاكمة، ولكن هل يكفي ذلك لإعادة فتح الطريق الدولي... ؟؟.

بالتأكيد لا فروسيا لاتستطيع حمايته من الهجمات والضربات بواسطة الصواريخ والقذائف والصواريخ المضادة للدروع وبالتالي تحتاج لاتفاق ما مع الطرف التركي لضمان تشغيل الطريق دون أي عوائق وهذا هو "مفتاح التهدئة" التي ستميل لها روسيا قريباً لإرضاء الأتراك وتفعيل اتفاق جديد "سوتشي معدل" يتضمن دوريات روسية تركية مشتركة لاحقاً على الطريق الدولي، وإخراج النظام كقوة عسكرية من المنطقة، مع تفعيل مؤسسات النظام في المدن والبلدات التي سيطر عليها وفتح مخافر شرطة بإشراف روسي، وقد يسمح للمدنيين لاحقاً دون المقاتلين العودة لتلك المناطق بضمانات مشتركة ولكن تحت راية النظام وسلطة مؤسساته ..

الأوتستراد الدولي M4 بين سراقب واللاذقية ليس بأهمية الأوتستراد الدولي الأول بالنسبة لروسيا، وهو موضع تفاوض بين الأتراك والروس، فتركيا ترفض أي عمل عسكري على المنطقة لتجنيب محاصرة شمال إدلب وبقائها بقعة مكتظة بالنازحين مايشكل أزمة إنسانية كبيرة ستتحمل عواقبها بالقسم الأكبر وحيدة، وبذات الوقت روسيا تحاول كسب الأمر كورقة تفاوضية يمكن أن تتخلى عنها لتحصيل مكاسب أخرى وبالتالي عدم حسم الملف حتى اليوم، لاسيما أن أي من الأرتال التركية لم تدخل جبل الزاوية مؤخراً لتثبيت أي نقطة جديدة في المنطقة.

وبسيطرة روسيا على الطريق الدولي والمدن الرئيسية الممتدة على طول الطريق والمناطق الصناعية المحيطة بمدينة حلب، باتت المناطق المحررة مجردة من أي مصادر قوة اقتصادية وعسكرية حتى، وباتت شبه محاصرة كقطاع "غزة" تستجدي الدعم الدولي الإنساني لملايين المدنيين القابعين في الخيام بعيداً عن ديارهم عبر الحدود المغلقة بوجههم، وباتت روسيا في مرحلة تؤهلها لإعادة تفعيل مسار الحل السياسي السوري بعد تعطيله لمرات عديدة لحين إتمام مشروعها في تمكين يد النظام وإعادة شرعنته دولياً من أبواب عدة.

عوامل كثيرة أوصلت بنا لهذه المرحلة من الانكسار، تتحملها جميع الفصائل والقوى السياسية، ولو خصصنا الشمال السوري، كانت "هيئة تحرير الشام" المسؤول الأكبر كونها الفصيل الذي كرس كل طاقاته لإنهاء مكونات الثورة وتهجير أبنائها والهيمنة على سلاحها، وعند بدء المعركة عدم قدرتها عن الدفاع عن المنطقة رغم الخسائر الكبيرة التي أمنيت بها بشرياً وعسكرياً إلا أنها لم تسحب حساب لهذه المرحلة ونصبت نفسها حكماً على المحرر ومدافعاً عنه، ولايمكن تبرير موقف باقي الفصائل وسكوتها.

بالدرجة الثانية المعارضة السياسية الخارجية من "ائتلاف وهيئة تفاوض وممثلي الفصائل" الذين خاضوا جولات التفاوض السياسي وفشلوا في تمثيل حراك الشعب السوري، وهم لازالوا يتربعون على مناصبهم مع تبادل الأدوار بينهم، دون حتى أن يوضحوا للناس ما وقعوا عليه في أستانا وسوتشي وغيرها من الاتفاقيات التي أنهكت المحرر من شماله لجنوبه، علاوة عن عدة أمور لايفسح المجال لسردها وتحتاج لمؤلفات طويلة لتفصيلها كانت عاملاً قوياً في إضعاف الثورة ووصولها لهذه المرحلة.

وباعتقادي فإن الطرف التركي الضامن لاتفاقيات "أستانا وسوتشي" المنتهية المفعول، يتحمل جزء كبير من المسؤولية، واليوم باتت تركيا الدولة الوحيدة المتبقية كحليف للشعب السوري الثائر، أمام اختبار تاريخي إنساني كبير ليثبت للشعب السوري أنه لن يتخلى عنه، ولاننكر الدور التركي في مساعدة الحراك الشعبي، ولكن موقفه الضعيف خلال العام الأخير كان في صالح تمدد روسيا وإيران، وصل لحصار نقاطه، قبل أن يدرك مدى الغدر الروسي، ويلجأ للتحشيد العسكري في المنطقة تزامناٌ مع سقوط قسم كبير منها، وصل الأمر لاستهداف عناصره واختلاط دمائهم بدماء أبناء الشعب السوري على ذات الأرض وبنفس الأيدي المجرمة.

ويتوجب أن نأخذ بالحسبان الضغوطات الدولية الممارسة على الأتراك وشاهدنا حجم الهجمة ليس من دول أوربا وأمريكا والخليج بل من أصغر الدول التي لايحسب لها أي حساب إبان عملية "نبع السلام" في ظل صراع دولي واضح لتقويض الدور التركي وقطع آخر يد تساعد الشعب السوري ولو إنسانياً، وبالتالي فإن تركيا التي وثقت بروسيا، وكشفت غدرها، لايمكنها تحمل تبعيات أي معركة غير محسوبة ومدعومة دولياً في مواجهة مباشرة مع روسيا في سوريا.

خسارة كل هذه المناطق خلال أشهر قليلة، بعد صمود لسنوات، لن يكون نهاية الثورة أو طريق الحرية الطويل الذي لايرتبط بأرض ومدينة، ولكن لابد أن يكون درس كبير لجميع الفصائل وأبناء الثورة، للإسراع لتدارك أخطاء الماضي وإنهاء التحزبات والخلافات وتوحيد القوى بشكل حقيقي بعيداً عن أي احتكار، ونبذ كل المتسلطين ومن ثبت فشلهم وزيف ادعائهم في حماية المحرر، وإعادة روح الثورة للمناطق المحررة بمن فيها من مدنيين يرفضون الظلم ويتطلعون لغد مشرق لاوجود للأسد وعصابته فيه.

  • اسم الكاتب: أحمد نور
  • المصدر: شبكة شام

الأكثر قراءة