لحظة سورية فارقة

16.تموز.2017

هل يمثل الاتفاق الروسي/ الأميركي بشأن المناطق مخفضة التصعيد في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء خطوةً نحو تسوية الصراع الدولي والإقليمي في سورية، أم هو جزء من الاحتجاز الدولي القائم منذ ستة أعوام في سورية؟ للجواب على السؤال، علينا ملاحظة التالي:

ـ الاتفاق هو الأول بين الدولتين، لا يشاركهما فيه أحد ولا ينضوي في مساري جنيف وأستانة، فإن تلته خطوات أخرى، كما هو متوقع، كرّس مساراً جديداً، ستتولى واشنطن وموسكو تحريكه، لمصلحتهما حصراً.

ـ بينما رسم الاتفاق خطاً أحمر لإيران بموافقة روسيا في جنوب سورية، وضعت أميركا خطاً أحمر لتركيا شمالها، في تفاهمٍ بين العملاقين على تقليص قدرة الدولتين المعنيتين على تعطيل توافقهما.

ـ خلو الاتفاق من أي دور للنظام والمعارضة، ومن دور عربي، في سياق انفراد الدولتين بما ستقومان به من خطواتٍ، وتحييد الأطراف الأخرى. إذا كان الأردن قد استثني من الاستبعاد، فبسبب مجاورته المنطقة، والحاجة إلى جيشه المدرب الذي سيراقب تنفيذ الاتفاق، ومساحات شاسعة جنوب سورية وشرقها.

ـ أنجز الاتفاق بعد تشكل كيانين، هما الأسدي الذي تنقذه روسيا من الانهيار، وقرارها حاسم فيه، والكردي الذي تدعمه واشنطن، وقرارها مصيري بالنسبة إليه، بينما يجسّد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية حالة فراغ وطني، لافتقاره إلى اعتراف داخلي فاعل به، وإلى علاقاتٍ دولية وإقليمية، كعلاقات الأسد بروسيا والكرد بأميركا، والتراجع الخطير في مكانته، وفشله في إقامة أوضاع ذاتية تقنع الدولتين الكبيرتين، بالتفاهم على تطبيق وثيقة جنيف وقرارات مجلس الأمن حول الحل السوري. من هنا أهمية الاتفاق على الجنوب، باعتباره أول خطوة مشتركة يقومان بها، غرضها إخراجه من الحرب إلى تهدئة مؤطرة في مشروع سياسي متفق على أسسه بينهما.

ـ منح الاتفاق مناطق خفض التصعيد ضرباً من استقلالية عبر فصلها بقوات أميركية/ روسية / أردنية عن النظام ومرتزقة إيران من جهة، وتمكينها من إدارة شؤونها بواسطة مجالس منتخبة ديمقراطياً، ستديرها بوصفها مناطق خاضعة للمعارضة، تعترف بها الدولتان، ستعالج في مرحلة تالية مشكلات سورية بالتعاون مع النظام. تفرض هذه الحقيقة على "الائتلاف" العمل لإقناع الشعب بانتخاب مجالس وطنية/ ديمقراطية تكون مستقلة، وتتبنّى مشروع الثورة الذي يطالب بالديمقراطية بديلاً وحيداً للأسدية، فإن توحدت وخضعت لقيادة مشتركة، غدت نواة سلطة ديمقراطية لكيانٍ ثالث، وطني ومعارض، مرجعيتها "الائتلاف" الذي يجب الإسراع إلى إصلاح أوضاعه، ليكون قادراً على مواجهة ما سيعترضها من صعوباتٍ كبيرة ومتنوعة. هل يبدأ "الائتلاف" بتركيز جهوده على خطط عملية، تهدف إلى إيصال وطنيين إلى المجالس، يوحّدهم برنامج سياسي مشترك يوضع لها، تصير معه جهة وطنية فاعلة تسهم، من موقع طليعي، بتمثيل شعبٍ قرّر التخلص من الأسد ونيل الحرية.

ـ بهذه المعاني، يمثل الاتفاق خطوة مهمة، سيقضي الوقوف ضدها على "الائتلاف" ممثلاً معترفاً به للسوريين. ولو كان صاحبا الاتفاق عازميْن علي تقسيم سورية، لما كان باستطاعة أحد إرغامهما على إقامة مجالس ديمقراطية منتخبة، هي سلطة موازية للأسد، بديله له في مناطقها.

أجيب الآن على سؤال البداية: نعم، سيخدم الاتفاق شعبنا السوري، إن تم التعامل معه فرصة جدية، لا شيء يمنعنا من دفعها في الاتجاه الذي نريده سياسياً اليوم، وتفاوضياً غداً، إلا إذا تمسّكنا بأوهامنا حول انتصارٍ صار في متناول أيدينا، وقدرتنا على تحقيق أهدافنا عبر خطوة واحدةٍ حاسمة، وتركنا المجالس للمذهبيين الذين دمروا الثورة لصالح النظام، وبدأت عناصرهم بالتشبيح في الجنوب، حيث قرّرت فرض "رسوم جمركية" على شاحنات نقل الخضار من حوران إلى دمشق، وعندما اعترض السائقون عليها، قيل لهم: "عم تدفعوا هونيك وبدكن تدفعوا هون، إذا بدكم تمروا".

بالمجالس الديمقراطية الموحدة، وبانتهاج خط وطني يخدم مصالح جميع السوريين أينما كانوا، سيكون الاتفاق مكسباً للثورة، والمدخل إلى حلٍّ يوقف إبادة شعبنا، ويأخذه تدريجياً، وخطوةً بعد أخرى، إلى الحرية. أما في حال أهمل "الائتلاف" وأطراف العمل الوطني هذه الفرصة، كما فوّتوا غيرها، وبقوا غارقين في النق وبكائيات الرفض، فإن ما ينتطرنا لن يكون فقط تقسيم وطننا الذي تمنعنا أوضاعنا الراهنة من المشاركة في تقرير مصيره، بل زواله من الوجود. عندئذٍ، سيكون الجواب: ليس اتفاق الجنوب، ولن يكون أي اتفاق آخر، لصالحنا، لأننا لا نستحق وطناً نواصل نحره بأيدينا، ونتهم غيرنا بقتله.

  • اسم الكاتب: ميشيل كيلو
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة