الشمال السوري صفقات مؤجلة وولائم لم ينضج طعامها بعد

22.تشرين1.2020

"أنقرة أوفت بالتزاماتها في إدلب"
تصريح مفاجئ، أدلى به وزير الدفاع التركي لنظيره الروسي؛ ألهب وسائل التواصل وخاصة في الداخل السوري،  وكأن وزير الدفاع التركي يبعث برسالة يبين فيها ما آلت إليه الأمور في الشمال السوري بعد سيل من الأرتال التركية أعادت انتشارها وتوزعت على الجبهات.

جاء التصريح على غير العادة، إذ كانت روسيا تدعو تركيا دائماً لأن تفي بالتزاماتها دون أي رد تركي صريح، كانت الاتهامات الروسية للأتراك بعدم جديتهم بضبط مناطق خفض التصعيد، بداية بالمسيرات التي تضرب مطار حميميم، ونهاية بالعبوات والمفخخات التي تعترض الدوريات المشتركة، وغالباً ماتسبق هذه الاتهامات عمليات عسكرية، تقودها روسيا عبر طيرانها الذي يدعم المليشيات لقضم مناطق جديدة. وكرر المسؤولون الروس نفس الحديث في لقاءات عديدة مشيرين إلى أنه على تركيا الإيفاء بالتزاماتها في اتفاقية "سوتشي" والتخلص من بعض الجماعات في محافظة إدلب مثل "هيئة تحرير الشام".


فما هي المستجدات؟
وما الدوافع خلف هذه التصريح التركي؟ هل للوضع في ليبيا وأذربيجان أي تأثير على الوضع السوري، كون كل من تركيا وروسيا هي الأطراف الأكثر تأثيرا في تلك الصراعات؟
أم أن تفاهمات جديدة جرت من تحت الطاولة بين الروس والأتراك؟


الوضع الميداني:
بات المخطط الروسي في الشمال السوري واضحاً ولا يخفى على أحد، إذ يهدف إلى السيطرة على الشمال السوري عامة وإدلب خاصة، ويعتمد التصعيد العسكري على القصف العشوائي الذي يستهدف القرى والبلدات لتهجير المدنيين حاضنة الثورة الشعبية، ثم يليها حملات قصف مركزة على خطوط التماس، ثم سرعان ما تتقدم قوات النظام السوري والمليشيات الإيرانية العاملة معه لفتح الطريق أمامها، هذه العمليات باتت تسمى بقضم المناطق المحررة.

وقد أدت هذه العمليات في آذار/ مارس الماضي لخسران مناطق واسعة بالقرب من الطريق السريع الإستراتيجي M5لصالح نظام الأسد، والتي تسببت في نهاية المطاف في مقتل أكثر من 60 جندياً تركيا.

هدف الحملات العسكرية التي يشنها الروس على المنطقة هو الهيمنة على كامل الطرق الدولية M5 وM4، لكن على مراحل، لاستكمال مخططها العسكري في باقي مناطق سوريا، وتحويلها لمناطق مصالحات والسيطرة على الطرق والمعابر من الجنوب إلى الشمال، مستغلة بذلك اتفاقيات خفض التصعيد السابقة التي أبرمتها مع عدة أطراف دولية، وقال وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" في هذا الصدد: إنه تم تعليق الدوريات المشتركة لأسباب أمنية ويواصل لافروف خداعه أن النظام السوري ليس بحاجة لإجراء أي عمليات جديدة في إدلب.

إن بدت روسيا صامتة نسبياً اليوم فهي مستعدة عسكرياً لأي عمل عسكري قد يحقق لها أهدافها البعيدة كما قال "ليفينت كمال" المحلل والصحفي التركي على حسابه الشخصي في تويتر "العملية العسكرية يمكن أن تبدأ في أي لحظة".


تركيا على أهبة الاستعداد:
تركيا وعت الدرس جيدا، لذا تحشد قواتها وترسل الأرتال العسكرية المدججة بالسلاح والمواد اللوجستية والتموينية إلى الداخل السوري، وكأنها على موعد مع الحرب، وأصبحت قواتها على خطوط التماس مع قوات النظام وجها لوجه، وقد كانت لوقت قريب تعتمد على الفصائل الثورية في صد أي هجوم للنظام الأسدي إلا أنها بعد معركة سراقب الأخيرة، بدأت تعتمد على قواتها مباشرة، ونشرت لأجل ذلك جيشها على خطوط التماس إلى جانب الثوار، كما بدأت التدشيم وتثبيت الكتل الإسمنتية، ورفع السواتر الترابية حول نقاطها، مع رفع الجاهزية لجنودها تحسباً لمواجه تقدم المليشيات الشيعية وعصابات النظام، كما أنشأت غرفة عمليات موحدة مع فصائل الثوار في مدينة "هاتاي" للرد السريع على أي هجوم محتمل قد يأتي من قوات الأسد.

إذ لا مكان للصداقة والنوايا الحسنة في عالم السياسة، هذا التسامح سبب نجاح عمليات القضم وخسران مناطق شاسعة لصالح عصابات النظام، لذا يجب على من يزاول العمل في الشأن السياسي أن يعتني بمصالح بلاده وشعبه، ولا يؤمن بالأصدقاء أو الأعداء على وجه الإطلاق في عالم السياسة.


التموضع والعتاد:
يتوزع الجيش التركي في إدلب على أكثر من 69 قاعدة عسكرية، ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار آذار/ مارس الماضي، بدأ الأتراك تدعيم قواعدهم وكثفت تواجدها في منطقة جبل الزاوية جنوب M4، المنطقة الأكثر تهديدا، كما توزعت قواتهم في ريف حلب الغربي، وريف اللاذقية الشمالي، كون تلك المناطق بالمجمل أكثر حساسية في حال حدوث أي تصعيد جديد.

يقدر ناشطون عدد المقاتلين الأتراك في الشمال السوري بقرابة 25 ألف مقاتل، دخلوا في الفترة ما بين 1 من شباط و31 من آذار الماضيين، وأصبح معسكر المسطومة على طريق أريحا إدلب يشكل نقطة استراتيجية في جنوب المحافظة، وتجمع كبير للقوات التركية الوافدة، كما هو الحال في مطار تفتناز العسكري مايسمى (قاعدة عفيص الجوية) وهما يشكلان قيادة عمليات، نظرا لما تحتويه النقطتان من الآليات والعتاد وجنود.

وكانت قد نشرت تركيا نقاط مراقبة وفقاً لتفاهمات أستانة في مايو/أيار من عام 2017 م  وهي 12 نقطة مراقبة حول "منطقة خفض التصعيد الرابعة" والتي تضم كامل محافظة إدلب بحسب اتفاق موسكو لوقف إطلاق النار المبرم في الخامس من مارس/آذار الماضي، إلا أن عمليات القضم الأخيرة حاصرت تلك النقاط ووضعت تركيا في موقف محرج أمام الرأي العام، مما اضطرها لتكثيف تواجدها العسكري، لقطع الطريق أمام روسيا اللاعب الرئيسي في الساحة السورية منذ تدخلها العسكري للمرة الأولى في عام 2015 م  وتعتبر روسيا القوة الدافعة المحركة وراء إبرام الاتفاقية الأولى في مايو (أيار) عام 2017م  بين كل من روسيا وإيران وتركيا والمعنية بإنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد العسكري في سوريا، وكانت روسيا تساند الحكومة السورية على إلحاق الهزيمة بالثوار.

تركيا في المقابل زجت المقاتلين من القوات الخاصة  ذات الكفاءة والتدريب، إلى جانب الوحدات المدرعة والمشاة المعروفة أيضا باسم  "الكوماندوز"، وبعض الوحدات التي شاركت في العمليات التركية السابقة في عفرين، بما في ذلك اللواء الخامس المتخصص في العمليات العسكرية والحروب الجبلية.


الأسلحة الاستراتيجية:
تحتاج القوات التركية التي انتشرت على الأرض لسلاح الجو من أجل تغطية عملياتها، وقد أثبتت الطائرات التركية فاعليتها في سورية وأذربيجان وليبيا، واستطاعت  بيرقدار تدمير عدد من منظومات الدفاع الجوي الروسية من طراز بانتسير، وذلك في كل من  سورية وليبيا" أثبتت تركيا من خلالها تطورا ملحوظا في الحروب الحديثة.

ولضمان نجاحها ميدانيا عمدت تركيا إلى إدخال ثلاث منظومات دفاع جوي، نشرتها في أماكن حساسة بين نقاطها في منطقة خفض التصعيد الأخيرة، من هذه المنظومات؛ "حصار إيه" و"أتيلغان" وهما محليتا الصنع، بالإضافة إلى نشر منظومة "MIM-23 Hawk" الأميركية.


البيت الثوري الداخلي:
الاستعدادات التركية لم تقتصر على قواتها الخاصة، بل عمدت إلى انشاء معسكرات  تدريبية تخضع لها جميع الفصائل بما فيها هيئة تحرير الشام، وقد بدأت ترسل عناصرها إلى تلك المعسكرات لرفع اللياقة البدنية لأولئك المقاتلين، بذلك تستطيع تركيا إحصاء الأعداد الحقيقية لجميع الفصائل التي لطالما كانت ترفع أعدادا وهمية بهدف كسب الدعم، وبحسب محمد سرميني مدير مركز "جسور" للدراسات فإن القرار العسكري في إدلب أصبح كاملاً بيد "المجلس العسكري المشترك " الذي يضم قائد الجناح العسكري في "هيئة تحرير الشام"، ونظيره في حركة "أحرار الشام"، وقائد غرفة عمليات "الجبهة الوطنية للتحرير".

ولا يستبعد سرميني من خلال تغريدات على حسابه إنه من المنتظر أن يتم خلال الأيام القادمة تسمية ممثل سياسي لمحافظة إدلب أو لفصائلها.


الوضع السياسي والدعم الدولي:
تقف تركيا وحيدة في دعم المعارضة بعد أن أوقف الرئيس الأميركي ترمب جهود وكالة الاستخبارات الأميركية في تمويل قوى المعارضة السورية، ويعد هذا موافقة ضمنية من الجانب الأمريكي لإطلاق يد روسيا في سوريا، ويبرهن على ذلك ما آلت إليه الأمور بعد توقف تدفق الدعم، بينما اقتصر الدور الأمريكي على التنديد بالهجمات.

لذلك وجدت تركيا نفسها وحيدة أمام الغطرسة الروسية، لكنها خلال الاجتماعات التي عُقدت في أنقرة الأسبوع الماضي، حاول  الأتراك أن يشرحوا لنظرائهم الروس أن تركيا لديها الآن سيطرة أكبر في إدلب وأن "هيئة تحرير الشام" لم تعد تمثل التهديد الذي كانت عليه من قبل.

تستمر اللقاءات التشاورية بين الوفود واللجان العسكرية التركية والروسية، وآخرها كان في أنقرة الذي تناول مستجدات الوضع في إدلب شمال غرب سوريا، ولم يخرج للعلن أي نتيجة أو صيغة تفاهم، لكنهم يقولون أيضاً إن مطالب نظرائهم الروس لن تنتهي بعد، وهم يعتقدون أن موسكو ستجد سبباً جديداً في كل مرة لإشعار انقرة بالعجز، ونقلت ميدل إيست آي عن مسؤول تركي: إن المحادثات بين المسؤولين الأتراك والروس فشلت لأن "الروس" لن يوافق على أي شيء من مطالب الأتراك، وهو ما يوافق وصف صحيفة "خبر ترك" للوضع في سوريا بالمتأرجح، حيث ينخفض التوتر من جهة ويتصاعد من جهة أخرى، وتمارس موسكو ضغوطا على أنقرة بهدف سحب نقاط مراقبة الـ12 في منطقة خفض التصعيد في إدلب شمال غرب سوريا.

ووصفت صحيفة خبر ترك مخططات روسيا بأنها وبمجرد تحقيق توازنا بالميدان، فإنها تجلس على الطاولة وتسعى للبحث عن حلول واتفاقيات جديدة، جرى استخدام هذا الأسلوب في إدلب مع تركيا ومنطقة دير الزور مع الولايات المتحدة، وفق ترجمة موقع "عربي 21"، ونقلت عن مصادر في وزارة الخارجية التركية، أن الروس كرروا بالفعل مطالبهم بسحب نقاط المراقبة إلى الشمال من الطريق الدولي M4، إلى جانب خفض القوات التركية في إدلب، لكن الرد التركي تمثل بالرفض بتصميم على موقفها من اتفاقي موسكو وأستانا، ورفضت المطالب الروسية.

ولا بد من الإشارة إلى أن الروس بالتزامن مع الاجتماع الأخير في أنقرة مع الجانب التركي، شنت مقاتلاتهم غارات جوية جنوب منطقة M4، تأكيدا على عدم توصل الطرفين لاتفاق، ينذر بانهيار الاتفاقات عما قريب.


إدلب إلى أين؟
تعتبر إدلب ذات أهمية استراتيجية للقيادة التركية من عدة جوانب أخطرها أزمة اللاجئين السوريين، ومالها من تبعات اقتصادية واجتماعية، وقد ازداد الاستياء الشعبي في الداخل السوري على الأتراك بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بالثوار، حيث كان يرى البعض فيها المخلص من جرائم النظام وخاصة بعد انتشار نقاط المراقبة التركية إلا أن الثقة ضعفت مع حصارها من قبل مليشيات النظام وفقدان المحرر المدائن الجنوبية الكبيرة مثل معرة النعمان وخان شيخون إضافة إلى مدينة سراقب، مما أدى لموجات نزوح وضائقة اقتصادية كبيرة يصعب التعافي منها وأزمة إنسانية لا تستطيع تركيا تحمل تكلفتها بمفردها.

إلا أن الأمور اتضحت بعد تصريحات أحمد أوغلو الأخيرة التي وضع النقاط فيها على الحروف و نسبة عدم دعم المعارضة في حلب إلى تيار فتح الله غولن وتأثير ضباطه قبل الانقلاب على مسار الثورة، يؤكد ذلك الحشود التركية الأخيرة حيث يعتقد بعض المسؤولين في أنقرة أن روسيا ستكون حذرة في تعاملاتها في إدلب؛ لعدة أسباب منها الحشود الأخيرة كما أن روسيا في حاجة تركيا كنظير مقبول لها في الصراعات، لما لها من تأثير في ليبيا وأذربيجان وإنه بإمكانها تلبية التوقعات الروسية ووقف الانجرار نحو حرب قادمة.
لذا من المتوقع أنّ تركيا سوف تحافظ على خريطة السيطرة الحالية، على أقل تقدير، ولن تكتفي بتعزيز نقاطها العسكرية الموجودة في المنطقة فحسب، بل لربما تدفع بقوات أكبر مع احتمال وضع قواعد جوية لضمان استقرارها، إلى حين توفر لها الظروف المناسبة لقلب الموازين كما حدث في ليبيا وأذربيجان.


المصادر:
"ميدل إيست آي"
"العربي الجديد"
عمر حاج أحمد ناشط وصحفي سوري
شبكة شام الإخبارية
مركز جسور للدراسات
أحمد زنكلو قائد عسكري ميداني
معهد دراسات الحرب
هيومن رايتس ووتش

  • اسم الكاتب: حليم العربي

الأكثر قراءة